فخر الدين الرازي
168
تفسير الرازي
أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر ، فقوله : * ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) * كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه حصوله ، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه . واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم ، وتقريره من وجهين : الوجه الأول : أن تقدير الآية : وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه ، فبين تعالى أن ذلك العمل لازم له ، وما كان لازماً للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو المقصود . والوجه الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه ، لأن قوله : * ( ألزمناه ) * تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه ، ونظيره قوله تعالى : * ( وألزمهم كلمة التقوى ) * ( الفتح : 26 ) وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : * ( في عنقه ) * كناية عن اللزوم كما يقال : جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال : قلدتك كذا وطوقتك كذا ، أي صرفته إليك وألزمته إياك ، ومنه قلده السلطان كذا . أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق ، ومنه يقال : فلان يقلد فلاناً أي جعل ذلك الاعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه . قال أهل المعاني : وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيراً يزينه أو شراً يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي ، والذي يشين فهو كالغل ، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له ، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته . ثم قال تعالى : * ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ) * قال الحسن : يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك . فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . قوله : * ( ونخرج له ) * أي من قبره يجوز أن يكون معناه : نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر ، وقرأ يعقوب : ( ويخرج له يوم القيامة كتاباً ) أي يخرج له الطائر أي عمله كتاباً منشوراً ، كقوله تعالى : * ( وإذا الصحف نشرت ) * ( التكوير : 10 ) وقرأ ابن عمر : ( يلقاه ) من قولهم : لقيت فلاناً الشيء أي استقبلته به . قال تعالى : * ( ولقاهم نضرة وسروراً ) * ( الإنسان : 11 ) وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد . ثم قال تعالى : * ( اقرأ كتابك ) * والتقدير يقال له : وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة الملائكة